بدأت قصة إسلام هذا الصحابي يوم أراد أن يخطب أم سُليم ، حيث ذهب إليها فلما بلغ منزلها ، واستأذن إليها ، فعرض نفسه عليها . فقالت : إن مثلك لا يُرد ، ولكني لن أتزوجك فأنت رجل كافر . فقال : والله ما هذا الذي يمنعكِ مني يا أم سليم . ـ قالت : فماذا إذاً ؟! قال : الذهب والفضة . " يعني أنها آثرت غيره عليه أكثر غنىً منه " . قالت : بل إني أشهِدك ، وأشهد الله ورسوله ؛ أنك إن أسلمت رضيت بك زوجاً ، وجعلت إسلامك لي مهراً .
قالت : ألا تشعر بالخجل وأنت تعبد جزع شجرة ، جعلت بعضه لك إلهاً، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يخبز عليه عجينه ؟! قال : ومَن لي بالإسلام ؟ . ـ قالت : أنا أعلمك كيف تدخل فيه : تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ثم تذهب إلى بيتك فتحطم صنمك وترمي به . ففعل كل ذلك وأسلم لله عز وجل.. ثم تزوَّج من أم سليم . فكان المسلمون يقولون : " ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم ، فقد جعلت مهرها الإسلام"
من ذلك أنه كان له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف المدينة بستاناً أعظم منه شجراً ، ولا أطيب ثمراً ، ولا أعذب منه ماءً . وبينما كان رضى الله عنه يصلي في بستانه ، أثار انتباهه طائر أخضر اللون ، أحمر المنقار ، فأعجبه منظره ، وشرد عن صلاته بسببه ، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً . فلما فرغ من صلاته ذهب إلى رسول الله ، وشكا له نفسه التي شغلها البستان والطائر عن الصلاة ، ثم قال : أشهد يا رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى ، فضعه حيث يحب الله ورسوله .
" يرحمك الله يا أبانا ، لقد صرت شيخاً كبيراً ، وقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فهلا رَكَنتَ إلى الراحة ، وتركتنا نغزوا عنك " . فقال : إن الله عزَّ وجل يقول : " انفروا خفافا وثفالا " ( سورة التوبة : من آية " 41 " ) فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباباً .. ثم أبى إلا الخروج . وبينما هو على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر ، مرض مرضاً شديداً فارق على إثره الحياة . وأخذ المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها ، فلم يجدوا طلبهم إلا بعد سبعة أيام .
وفي عرض البحر ـ بعيداً عن الأهل والوطن ـ دُفِنَ هذا الصحابي . وماذا يضره بُعدهُ عن الناس ما دام قريباً من الله عزَّ وجل ؟